الاثنين، 3 أغسطس 2026

مقترح الحكم الذاتي 2007: وثيقة دبلوماسية رائدة… لكنها لم تُترجم إلى خارطة حوكمة

 

بعد نحو عقدين على تقديمه، يظل مقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 وثيقة تفاوضية لا دليل إداري. ما هي الغيابات الأربعة التي تجعله غير كافٍ كخارطة طريق للمرحلة الانتقالية؟ تحليل تقني بعد القرار 2797.

الورقة القوية… والترجمة المفقودة

في أبريل 2007، قدّم المغرب إلى الأمم المتحدة وثيقة تاريخية: مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية. كان ذلك الحدث بمثابة تحول في المقاربة المغربية للنزاع. فبدلاً من الاكتفاء بالتأكيد على المغربية الصحراء، قدّم المغرب حلاً سياسياً يقوم على توسيع الصلاحيات المحلية ضمن إطار السيادة الوطنية.
العالم، حينها، رحّب بالمبادرة. واليوم، بعد قرار مجلس الأمن 2797، أصبح هذا المقترح هو الإطار المرجعي للتسوية. لكن بين «الورقة الدبلوماسية» و«الواقع اليومي للمواطن الصحراوي»، تكمن فجوة عميقة.
فبعد نحو عقدين على صياغته، يظل المقترح — رغم رمزيته — وثيقة تفاوضية لا «خارطة حوكمة». هو يُقسّم الصلاحيات على الورق، لكنه يحجب أربعة غيابات قاتلة تجعل المرحلة الانتقالية، إذا لم تُعالج، مجرد وعد غير مُنجز.

ما يُعطيه المقترح… وما يحجبه

المقترح، في صياغته الأصلية، يقوم على توزيع واضح للصلاحيات:
ما يبقى للدولة: الدفاع، والأمن الخارجي، والسياسة الخارجية، والسياسة الاقتصادية الكلية، والعملة، والقضاء الدستوري.
ما يُعطى للإقليم: التشريع التنفيذي في التعليم، والصحة، والسكن، والسياحة، والزراعة، والصيد، والثقافة.
هذا التوزيع، نظرياً، يوفر إطاراً متقدماً للحكم الذاتي. لكن المشكلة ليست في «ما يُعطى»، بل في «كيف يُعطى» و«من يُشرف» و«بأي ضمانات».

الأربعة غيابات القاتلة

التحليل التقني للمقترح يكشف عن أربعة غيابات بنيوية تجعله، بصيغته الحالية، غير قابل للتطبيق كدليل حوكمة:
الغياب الأول: من يُموّل ماذا؟
المقترح يتحدث عن «صلاحيات» لكنه لا يُحدد الاستقلالية المالية بدقة. من يُدير الموارد الطبيعية؟ ما نسبة العائد الذي يعود للإقليم؟ كيف تُوزع الموازنة بين المركز والجهة؟
في غياب إجابات واضحة، يبقى التمويل وعداً تنفيذياً قابلاً للتغيير مع كل حكومة مركزية. والوعد التنفيذي، في عالم السياسة، هو أضعف ضمان.
الغياب الثاني: كيف تُحل الخلافات؟
المقترح يُقسّم الصلاحيات، لكنه لا يُنشئ آلية فصل واضحة في حال تنازع المركز والجهة. من يفصل إذا ادعت الحكومة المركزية أن قراراً جهوياً يتعارض مع «السياسة الخارجية» أو «الأمن الخارجي»؟ من يُقرر ما إذا كان قانون جهوي يتجاوز صلاحياته؟
بدون محكمة دستورية مختلطة أو هيئة نزاعات ملزمة، يبقى التوزيع مجرد «حبر على ورق» يُinterpretه كل طرف لصالحه.
الغياب الثالث: كيف تُنتخب القيادة الجهوية؟
المقترح يتحدث عن «مؤسسات جهوية»، لكنه لا يُفصّل آلية انتخابها، ولا مدة ولايتها، ولا علاقتها بالمؤسسات الوطنية. هل البرلمان الجهوي منتخب بالاقتراع المباشر؟ هل له صلاحية تشريعية ملزمة أم استشارية؟ هل يشارك في صياغة القوانين التي تمسه؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية. بل هي الفرق بين حكم ذاتي حقيقي ولامركزية إدارية يرأسها مسؤولون مركزيون.
الغياب الرابع: ما الجدول الزمني؟
المقترح لا يحتوي على مراحل زمنية ولا معالم قابلة للقياس. متى تُنقل الصلاحية؟ كيف تُقاس نجاح التطبيق؟ ما هي الآلية الدورية للمراجعة؟
بدون جدول زمني، يتحول الحكم الذاتي إلى مشروع مفتوح يمكن تأجيله أو تجميده دون مساءلة. والمشروع المفتوح، في التجربة الإدارية، هو المشروع الذي لا يُنجز.

لماذا هذا التشخيص مهم الآن؟

بعد القرار 2797، فتح البوليساريو باب الحديث عن قبول مبدئي للحكم الذاتي. هذا يعني أن السؤال لم يعد: «هل الحكم الذاتي مقبول؟» بل أصبح: «ما وراء باب الحكم الذاتي؟»
إذا كان ما وراء الباب هو نفس ما هو عليه المقترح الحالي — إطار عام بلا تفاصيل مالية، وبلا آلية نزاع، وبلا ضمانات انتخابية، وبلا جدول زمني — فإن الوحدة ستبقى هشة. فالمواطن الصحراوي الذي ينظر إلى المستقبل يريد أن يرى مؤسسة تُشرف على تعليم أبنائه، وموازنة تُموّل مستشفاه، وبرلماناً يُقرر شؤونه، لا مجرد وعود تتغير مع كل موسم سياسي.

المقارنة المفيدة: من الدبلوماسة إلى الإدارة

مقترح 2007 كان، ولا يزال، ورقة تفاوضية قوية. لكن المرحلة الانتقالية التي تستدعيها التطورات الدولية تتطلب شيئاً مختلفاً: قانوناً تنظيمياً خاصاً يُترجم المقترح من لغة الدبلوماسية إلى لغة الإدارة والقانون.
هذا الترجمة لا تعني التخلي عن المقترح. بل تعني تعميقه وتفصيله وتأطيره. فالدول التي نجحت في تسوياتها الترابية — من إسبانيا مع كاتالونيا (رغم التعقيدات) إلى بريطانيا مع اسكتلندا — لم تكتفِ بالإطار العام. بل وضعت نصوصاً قانونية دقيقة تحدد من يفعل ماذا، ومن يُموّل ماذا، وكيف تُحل النزاعات.

المرحلة الانتقالية تحتاج أكثر من ورقة

«مقترح 2007 كافٍ كورقة تفاوضية… غير كافٍ كدليل حوكمة. المرحلة الانتقالية تحتاج ترجمته من لغة الدبلوماسية إلى لغة الإدارة والقانون.»
هذا لا يُقلل من قيمة المقترح. بل يُضيف إليه الطبقة التقنية التي تجعله قابلاً للحياة. فالدبلوماسي يُفاوض بالمبادئ، لكن المواطن يعيش بالتفاصيل. والتفاصيل — المالية، والمؤسسية، والزمنية — هي ما يُميز الحكم الذاتي الذي يُقنع من الحكم الذاتي الذي يُذكي اليأس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق